محمد وهبي..”سبيشل وان” الكرة المغربية الجديد

0

في عالم كرة القدم، تشاء الأقدار أن تضعك تارة في خانة الكبار، وتارة أخرى في مواقف يصعب وصفها أو عيشها، لكن بالإصرار والمثابرة يتمكن ممارسوها من التغلب على الصعاب، فيصنعون لأنفسهم مجدا ونجومية، ويعيشون واقعا كان في يوم من الأيام مجرد حلم، كحلم محمد وهبي في تدريب المنتخب الوطني الأول.

وهبي، ذو الخمسين ربيعا، ولد في بلجيكا لأسرة مغربية، نشأ وترعرع على حب المستديرة دون أن يتمكن من ممارستها في عز شبابه، ليختار دخول عالمها من بوابة التكوين الأكاديمي في سن 21 عاما، حاملا في جعبته أعلى دبلوم تدريبي في أوروبا (UEFA Pro).

استهل الناخب الوطني مشواره التدريبي مع نادي مكابي بروكسل لفرق الشباب، قبل أن ينتقل إلى أعرق الأندية في بلجيكا، أندرلخت، الذي قضى معه 17 عاما في تدريب مختلف الفئات السنية، من أقل 9 سنوات إلى الفريق الرديف.

وخلال مسيرته مع النادي، نجح في وضع بصمته بأفكاره التكتيكية ونظرته الثاقبة للمواهب اليافعة، حيث قاد فريق أندرلخت لأقل من 21 سنة إلى نصف نهائي دوري الشباب الأوروبي موسم 2014-2015، كما ساهم في اكتشاف العديد من النجوم العالميين مثل جيريمي دوكو، جناح مانشستر سيتي الإنجليزي، ويوري تيليمانس، متوسط ميدان أستون فيلا الإنجليزي.

في سنة 2022، اختارت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم وهبي ليكون مدربا ومشرفا على المنتخب الوطني لأقل من 20 سنة، لبى وهبي نداء الوطن، ووجد أمامه أول اختبار، وهو التأهل إلى كأس إفريقيا للشباب عام 2023، فشل في ذلك، لكن الطموح لم يتوقف عند هذا الحد، إذ واصل المسار بثبات إلى غاية عام 2025، حين نجح في تحويل الإخفاق إلى نجاح.

وهبي، مع جيل يضم عبد الحميد آيت بودلال ومعاد الضحاك ويانيس بنشاوش، كانوا أمام أول اختبار لفرض الذات ووضع بصمتهم على مستقبل الكرة المغربية في أفق مونديال 2030، وذلك من بوابة كأس إفريقيا للشباب بمصر. دخل الأشبال غمار البطولة القارية بثياب الأبطال، منتعشين بتتويج المنتخب الوطني لأقل من 17 سنة بأسابيع قليلة بلقب كأس إفريقيا، وهو تتويج كان بمثابة حمل ثقيل على كتفي وهبي الذي كان يسعى لتحقيق ما أنجزه نبيل باها مع منتخب الفتيان.

ووجد المنتخب الوطني نفسه في نهائي البطولة أمام خصم جنوب إفريقي متمرس ومنسجم، حيث حسمت جزئيات بسيطة اللقب لصالح البافانا بافانا، خسر وهبي الرهان، وفقدت نسبة من الجماهير ثقتها، بعدما كانت تمني النفس بتتويج جديد يؤكد الانتفاضة التي تعيشها الكرة المغربية في مختلف الفئات والأعمار والأجناس.

غير أن رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، أحسن الاختيار، إذ وجد في الاستقرار سلاحا لمقارعة الكبار في مونديال الشباب بالشيلي، بعد مرور خمسة أشهر فقط على الإخفاق.

استوعب وهبي الدروس، وأعاد ترتيب الأوراق، واستعان بأسماء غابت عن الكان مثل ياسين جاسيم ونعيم بيار، كما أبعد أسماء أخرى مثل الضحاك وآيت بودلال.

وبمساعدة جمال آيت بن يدر وعبد الإله باغي، نجح المنتخب الوطني في الاختبار، بعدما حقق الفوز على إسبانيا والبرازيل في دور المجموعات، ثم أقصى كوريا الجنوبية والولايات المتحدة وفرنسا في الأدوار الإقصائية. وفي النهائي، وبثنائية ياسر الزابيري أمام الأرجنتين، توج المغرب بطلا للعالم للشباب.

إنجاز لم يكن أشد المتشائمين يتوقعه، ولم يكن حتى أشد المتفائلين ينتظره، وهبي، مورينيو “سبيشل وان” الكرة المغربية، بخطة 4-2-3-1، قهر أوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية، ودخل قلوب المغاربة كبارا وصغارا، مؤكدا حسن اختيار الجامعة لقرار تجديد الثقة فيه.

ارتفع منسوب الثقة، واليوم تحقق ما لم يكن وهبي يحلم به، بعد تعيينه مدربا جديدا للمنتخب الوطني الأول خلفا لوليد الركراكي، المهمة نفسها، لكن ما حققه سلفه يجعل الحمل أثقل وأكبر، غير أن لا شيء مستحيلا في قاموس من ذاق طعم الذهب في كرة القدم.

أول اختبار يواجهه وهبي في مهمته الجديدة هو الحفاظ على منسوب الثقة بينه وبين 40 مليون مغربي، خاصة بعد التخبطات التي شهدتها فترة الركراكي، وعلى بعد عشرين يوما فقط، سيكون الرهان الأول في مباراة ودية أمام الإكوادور، قبل أن يواجه بعد أربعة أيام منتخب الباراغواي.

البعض يرى أن المواجهتين الوديتين دون فائدة، لكن سقف التطلعات ارتفع في المغرب بعد احتلال المنتخب المركز الثامن في التصنيف الحالي للاتحاد الدولي لكرة القدم، وهو ما يجعل الفوز أمرا مهما بالنسبة لوهبي، وللبرتغالي جواو ساكرامنتو الذي اختاره مساعدا أول في تجربته الجديدة.

بعيدا عن النتائج، فإن الظرفية تتطلب تمعنا كبيرا وحسن اختيار الأسماء التي ستمثل المنتخب في هذين الاختبارين، بهدف تجهيز تشكيلة قوية تخوض غمار المونديال الصيف القادم بحثا عن اللقب، الذي أصبح هدفا مشروعا في عقلية وهوية الكرة المغربية.

الجميع ينتظر الظهور الأول للمنتخب مع وهبي، بعد أربع سنوات مع الركراكي اختار خلالها الاستقرار على الأفكار والأسماء والمبادئ. مرحلة جديدة تفتح اليوم بعناوين مختلفة وتطلعات أكبر، ووهبي يدرك جيدا أن الطريق لن يكون مفروشا بالورود، لكن مسيرته علمته أن الإخفاق قد يكون أحيانا مجرد خطوة نحو نجاح أكبر.

Leave A Reply

Your email address will not be published.