شهدت بعض ملاعب المملكة، منتصف هذا الأسبوع أحداثا مؤسفة، حيث خيمت مظاهر الشغب والعنف الجماهيري على مباراتي الكلاسيكو بين الرجاء الرياضي والجيش الملكي، ولقاء نهضة بركان والكوكب المراكشي.
هذه الأحداث المؤسفة لم تمر مرور الكرام، بل استدعت تدخلات أمنية واسعة وتوقيفات في صفوف المشجعين، تبعتها حزمة من العقوبات التأديبية القاسية من طرف العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية.
وقررت العصبة الاحترافية، معاقبة فريقي الجيش الملكي والرجاء بغرامات مالية ثقيلة، وإجراء مباريات بدون جمهور (ويكلو)، مع قرار لافت بإغلاق مركب الأمير مولاي عبد الله في وجه الجيش الملكي محليا لما تبقى من الموسم، إلا أن القرار الأكثر جدلا كان منع تنقل الجماهير الزائرة على جميع الأندية الوطنية خلال المرحلة المقبلة من البطولة الوطنية وكأس العرش.
وفي قراءة تحليلية لهذه الأحداث، أكد الصحافي حسن قديم لجريدة “آشكاين سبورت” على ضرورة وضع الظاهرة في سياقها الصحيح، معتبرا إياها ظاهرة عالمية شهدتها كبريات الدوريات الأوروبية، مثل أحداث جماهير بايرن ميونخ في إسبانيا، ونهائي دوري الأبطال بباريس بين الريال وليفربول سنة 2021.

ويرى قديم أن قرار منع التنقل، رغم مساهمته في تقليص الصدامات بغياب طرف من المعادلة، إلا أنه ليس حلا جذريا، خاصة إذا جاء كرد فعل لحظي، ودعا إلى تقنين المنع كقاعدة عامة تشمل الجميع لضمان الفعالية، محذرا من أن الشغب قد يصدر من جماهير الفريق المضيف ذاته نتيجة لقرارات تحكيمية أو تقنية.
وعن طبيعة العقوبات، سجل قديم وجود نوع من الارتجال والتسرع في اتخاذها، متسائلا عن المعايير التي تسمح للجيش الملكي باللعب في مركب الأمير مولاي عبد الله قاريا وتمنعه محليا.
كما انتقد المتحدث ذاته، بشدة عقوبة “الويكلو” في المباريات الكبرى كالديربي بين الوداد والرجاء وكذلك الكلاسيكو بين الجيش والوداد، واصفا إياها بالعقوبة التي تفقد كرة القدم روحها وتضرب الواجهة التسويقية للكرة المغربية في مقتل.
وفي سياق بحثه عن المخارج الممكنة، طرح الصحافي حسن قديم رؤية مغايرة للحلول الواقعية، مؤكدا أن معضلة الشغب لا تكمن في الجمهور كعنصر بشري بحد ذاته، بدليل الانضباط الذي شهدته الملاعب خلال كأس أفريقيا الأخيرة، وإنما يكمن الخلل في المنظومة التنظيمية والبيئة المحيطة بالمنافسة.
ومن هذا المنطلق، يرى قديم أن الحل يمر أولا عبر اعتماد حملات توعية مستمرة ومكثفة تستهدف المشجعين لترسيخ ثقافة الروح الرياضية وتقبل الهزيمة، مع التأكيد على أن التعبير عن الغضب الكروي يجب ألا يتجاوز حدود احترام ممتلكات الدولة وحقوق الغير.
وفي سياق متصل، شدد حسن قديم على أن إصلاح المنظومة الكروية من الداخل يعد ركيزة أساسية لخفض حدة التوتر، إذ يعتبر أن تقويم الاختلالات في التسيير الإداري للأندية والارتقاء بمستوى التحكيم سيساهم بشكل مباشر في الحد من القرارات المرتبكة والأخطاء القاتلة، والتي يراها قديم بمثابة الشرارة الأولى التي ترفع درجة الاحتقان في المدرجات وتحول الحماس الرياضي إلى صدامات عنيفة.
أما البعد الأكثر عمقا في تحليل قديم، فيتجلى في ضرورة استحضار الواقع الاجتماعي للمشجع وربطه بسلوكه داخل الملعب، حيث الظاهرة من زاوية سوسيو اقتصادية، معتبرا أن الشغب لا يمكن فصله عن الظروف المعيشية، فالمدرجات تتحول في نظره إلى “متنفس عنيف” لتفريغ شحنات الإحباط والكبت الناتجة عن البطالة وصعوبات السكن، مما يجعل من إصلاح الواقع الاجتماعي جزءا لا يتجزأ من أي استراتيجية شاملة تهدف لاستئصال العنف من الملاعب المغربية.
وعلى الرغم من الأحداث المؤسفة التي وقعت والعقوبات الزجرية التي صدرت، إلا أن البطولة الوطنية هذا الموسم تعيش واحدة من أزهى فتراتها على مستوى التنافسية والإثارة، بفضل التقارب الكبير في النقاط واشتعال الصراع في قمة وقاع الترتيب، في انتظار ما ستجود به الدورات الـ13 المقبلة من إثارة ومفاجآت.

التعليقات 0