رأسية ديوب.. حلم وهبي الذي أصبح حقيقة
في عالم كرة القدم، لا تقتصر الأحلام على اللاعبين وحدهم، بل ترافق أيضا المدربين والجماهير، أحلام تتراوح بين تسجيل هدف حاسم، أو التتويج بلقب تاريخي، أو تحقيق تأهل طال انتظاره بعد سنوات من المعاناة، بعضها يبقى مجرد أمنيات، وبعضها الآخر يتحول إلى واقع يفوق الخيال.
وفي مدينة مونتيري المكسيكية، تحقق أحد تلك الأحلام بطريقة استثنائية، قبل ساعات قليلة من مواجهة المنتخب الهولندي في دور الـ32 من نهائيات كأس العالم 2026، رأى الناخب الوطني محمد وهبي في منامه مشهدا بدا حينها أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع.
وبعد نهاية المباراة، كشف وهبي عن تفاصيل ذلك الحلم قائلا: “رأيت في المنام أن عيسى ديوب سيسجل هدفا مهما برأسه للمغرب، لكنني لم أكن أعلم أن ذلك سيحدث اليوم، أخبرته بهذا الأمر مباشرة بعد نهاية اللقاء، وهو يستحق ذلك بكل تأكيد.”
قد تبدو تفاصيل هذا الحلم مستحيلة بالنسبة للكثيرين، لكنها تصبح أكثر قابلية للتصديق عندما يكون بطلها عيسى ديوب، المدافع الذي لم تكن مسيرته الكروية يوما طريقا ممهدا، بل كانت مليئة بالمنعطفات والتحديات والقرارات المصيرية.
ولد ديوب في فرنسا لأب سنغالي وأم مغربية، وتدرج داخل أكاديمية تولوز منذ عام 2006، قبل أن يفرض نفسه سريعا داخل الفريق الأول، ليصبح أصغر قائد في تاريخ النادي وهو في العشرين من عمره.
وفي صيف 2018، انتقل إلى الدوري الإنجليزي الممتاز عبر بوابة فولهام بعد تجربة ناجحة مع تولوز، في صفقة كبيرة آنذاك، وحظي بإشادة خاصة من المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو، الذي وصفه بالوحش لما يمتلكه من قوة بدنية وحضور دفاعي.
ورغم امتلاكه حق تمثيل منتخبات فرنسا والسنغال والمغرب، واختياره اللعب للفئات السنية الفرنسية، فإن حلم تمثيل المنتخب الأول لم يتحقق هناك، ليقرر مطلع هذا العام تغيير جنسيته الرياضية واختيار حمل قميص أسود الأطلس، قرار لم يكن سهلا، إذ واجه انتقادات وضغوطا جماهيرية بعد استدعائه قبل نهائيات كأس العالم.
كما لم يكن موسمه الأخير مع فولهام الإنجليزي مثاليا، بعدما تراجعت مشاركاته بشكل واضح، واكتفى بخوض 13 مباراة فقط في الدوري الإنجليزي الممتاز، منها سبع مباريات أساسيا، بإجمالي 813 دقيقة، في ظل اعتماد المدرب ماركو سيلفا على ثنائي الدفاع كالفين باسي ويواكيم أندرسن.
غير أن تلك الظروف الصعبة لم تكسر عزيمته، بل صقلت شخصيته، وكونت له صلابة ذهنية أقوى بكثير من صلابته الدفاعية، لكن ضربته الرأسية في مرمى هولندا كانت أقوى من الإثنين معا.
وجاءت تلك اللحظة في مونتيري، عندما ارتقى عيسى ديوب عاليا ليحول عرضية شمس الدين طالبي إلى هدف التعادل في شباك فيربوخين، هدف لم يكن مجرد كرة سكنت الشباك، بل كان تجسيدا لحلم رآه محمد وهبي قبل ساعات، وتحول إلى حقيقة أمام أنظار الملايين واداء لسرقة جائزة رجل المباراة من حارس الطواحين.
وبمساهمة ديوب، وتألق ياسين بونو، وروح المجموعة التي أظهرها جميع اللاعبون، نجح المنتخب الوطني في انتزاع بطاقة التأهل إلى الدور ثمن النهائي، ليضرب موعدا مع منتخب كندا، ويواصل كتابة فصل جديد من ملحمته المونديالية.
ويبقى حلم محمد وهبي الذي تحقق في مونتيري مجرد محطة في رحلة أكبر، إذ يواصل المغاربة التمسك بالحلم الأكبر، رؤية أسود الأطلس يرفعون كأس العالم، حلم قد يبدو بعيدا في نظر البعض، لكنه لم يعد مستحيلا بالنسبة لجيل يؤمن كثيرون بأنه الأفضل في تاريخ كرة القدم المغربية ولمدرب طموح يعرف كيف يجني الذهب من الصعاب.